
فتنة التباس الحقّ وغيابه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
: أحدهما: خطَر إفسادٍ للإسلام، يشوِّش قِيَمه ومفاهيمَه الثابتةَ بإدخال الزَّيفِ على الصحيح والغريب الدخيل على المكين الأصيل، حتى يُغلَبَ الناس على أمرِهم في هذا الفهمِ المقلوب، ويبقى الأمَل في نفوسِهم قائمًا في أن تجيء فرصَةٌ سانحة تردّ الحقَّ إلى نصابه، وهم في أثناءِ ذلك الترقُّب يكونون قد أُشرِبوا في قلوبهم الاعتقادَ الفاسدَ بأنّ ما يفعلونه من هذا البُعدِ والقصور في التديُّن والخَلط بين الزَّين والشَّين هو الإسلام بعينِه، فإذا ما قامَت صيحاتٌ تصحيحيّة تدعوهم إلى الرجوعِ إلى المنهج الحقّ والتمسُّك بالشِّرعة الخالدة كما أنزلها الله أنكَروا عليهم ما يدعون إليه، واتهموا الناصحين بالرَّجعية والجمود والعضِّ على ظاهِرِ النصوص دون روحِها وأغوارِها، كذا يزعم دعاةُ التلبيس والتدليس، ولسانُ حالهم عند نصحِ الناصحين ينطق بقوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة:11، 12]. ويؤكّد كلامنا هذا مقولةُ ابن مسعود رضي الله عنه التي يقول فيها: (كيف بكم إذا لبِستكم فتنةٌ يربو فيها الصغير، ويهرمُ فيها الكبير، وتُتَّخَذ سنّة، فإن غُيِّرت يومًا قيل: هذا منكَر)، قالوا: ومتى ذلك؟ قال: (إذا قلَّت أمناؤكم، وكثُرت أمراؤكم، وقلَّت فقهاؤكم، وكثُرت قُرّاؤكم، وتُفُقِّه في غير الدّين، والتُمِست الدنيا بعمل الآخرة)[رواه عبد الرزاق والبيهقي في الشعب، وصححه الألباني ]. وأما الخطر الثاني فهو أنَّ هذا التلبيسَ والتضليل ينتهي بالمسلمين إلى الفُرقةِ التي يصعب معها الاجتماع؛ إذ كلُّ طائفةٍ ستزعم أن لها منهجَها الخاصَّ بها، فتتنوَّع الانتماءات إلى الإسلام في صُورٍ يُغايِر بعضها بعضًا كالخطوط الممتدّة المتوازيةِ التي يستحيل معها الالتقاءُ، حتى إننا لنَرى بسبب مثلِ ذلك إسلامًا شماليًّا وإسلامًا جنوبيًّا وإسلامًا شرقيًّا، وآخر غربيًّا، وإنما الإسلام شِرعة واحدةٌ وصبغة ما بعدَها صِبغة، ولكنه التضليل والتلبيس الذي يفعَل بالمجتمعاتِ ما لا تفعلُه الجيوشُ العاتِيَة.
فمشكلة الكثير من الناس السير مع العواطف حيث سارت، دون أن يكون للشرع والعقل ميزان عنده، ففي بعض المواطن تغيب الموازين، ويفقد الإنسان التفكير، خاصة حينما يستعرض شريط الذكريات والمآسي التي مرت على هذه الأمة المنكوبة، وهذا ما يحصل في هذه الأيام في قضية لبنان.
لابد أن نعي تماماً أنه ليس من اللازم علينا أن كل من كان عدوا لدولة يهود يكون صديقاً لنا، فنحن نعادي دولة يهود ونسأل الله أن يسلط عليها ما نزل من السماء وما خرج من الأرض وأن يقذف الرعب في قلوبهم ويزلزل الأرض من تحت أقدامهم، لكن لا يعني ذلك أن نترك مبادئنا، ونتخلى عن عقيدتنا. فكما أن دولة يهود هي عدوة لنا فأيضاً من كفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفعل الأفاعيل بأهل السنة في العراق وغيرها أعداء لنا، فهم لا يقلون خطرا على الأمة من العدو اليهودي، فهي إذن حرب الأبالسة المعتدين، نسأل الله أن يسلطّهما على بعضهما، ويخرجنا سالمين.
ولذا نقول:
أولا: لا يشترط أبدا إذا أراد أهل السنة في الشام من فلسطينيين ولبنانيين مقاتلة اليهود أن ينضموا تحت لواء غيرهم من الأحزاب والتوجهات؛ لأن الميدان يتسع للجميع، فالحق الشرعي يدعو لجهاد اليهود ودحرهم، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج: 39). وأن نذيقهم من كؤوس الذل والإهانة مثل ما أذاقونا {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} (النساء: 104).
ثانيا: أدعو الجمعيات الخيرية أن يساعدوا النازحين من جنوب لبنان إلى الملاجئ في الشمال، وكذلك النازحين إلى سوريا، وعونهم بكل ما يستطيعون من غذاء ودواء وكسوة ومأوى، مع دعوتهم إلى الله عز وجل وتوزيع كتب عقيدة أهل السنة عليهم لنأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة.
ثالثا: كما أن الواجب علينا أن ندعو الله تعالى أن يحفظ الله دماء المسلمين في فلسطين والعراق ولبنان، وأن ينصرهم على القوم الظالمين، فهم في محنة وبلاء، وكرب وعناء. ولنعلم جميعاً أن من أعظم أسباب النصر وكشف الشدائد الدعاء، قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النمل: 62).
وقال تعالى في أهل بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} (الأنفال: 9).
فنسأل الله تعالى أن ينزل بأسه على القوم الكافرين، وأن يرينا في اليهود ومن هاودهم عجائب قدرته وأن ينصر من نصر الدين وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
المصدر موقع طريق الإسلام
www.islamway.com

No comments:
Post a Comment